محمد بن جرير الطبري
55
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ . . . وَبَشِّرِ الَّذِينَ يقول تعالى : فإن تبتم من كفركم أيها المشركون ، ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد ، فالرجوع إلى ذلك خير لكم من الإقامة على الشرك في الدنيا والآخرة . وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يقول : وإن أدبرتم عن الإيمان بالله وأبيتم إلا الإقامة على شرككم . فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ يقول : فأيقنوا أنكم لا تفيتون الله بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه الأليم وعقابه الشديد على إقامتكم على الكفر ، كما فعل بذويكم من أهل الشرك ، من إنزال نقمه به وإحلاله العذاب عاجلا بساحته . وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا يقول : واعلم يا محمد الذين جحدوا نبوتك وخالفوا أمر ربهم بعذاب موجع يحل بهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : فَإِنْ تُبْتُمْ قال آمنتم . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً يقول تعالى ذكره : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ، إِلَّا من عهد الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أيها المؤمنون ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من عهدكم الذي عاهدتموهم ، وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً من عدوكم ، فيعينوهم بأنفسهم وأبدانهم ، ولا بسلاح ولا خيل ولا رجال . فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ يقول : ففوا لهم بعدهم الذي عاهدتموهم عليه ، ولا تنصبوا لهم حربا إلى انقضاء أجل عهدهم الذي بينكم وبينهم . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ يقول : إن الله يحب من اتقاه بطاعته بأداء فرائضه واجتناب معاصيه . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ يقول : إلى أجلهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي العهد الخاص إلى الأجل المسمى . ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً الآية . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً الآية ، قال : هم مشركو قريش الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية . وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر ، فأمر الله نبيه أن يوفي لهم بعهدهم إلى مدتهم ، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم ، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده ، وأمره بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : مدة من كان له عهد المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر من يوم أذن ببراءة إلى عشر من شهر ربيع الآخر ، وذلك أربعة أشهر ، فإن نقض المشركون عهدهم وظاهروا عدوا فلا عهد لهم ، وإن وفوا بعدهم الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يظاهروا عليه عدوا ، فقد أمر أن يؤدي إليهم عهدهم ويفي به . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ يعني جل ثناؤه بقوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فإذا انقضى ومضى وخرج ، يقال منه : سلخنا شهر كذا نسلخه سلخا وسلوخا ، بمعنى : خرجنا منه ، ومنه قولهم : شاة مسلوخة ، بمعنى : المنزوعة من جلدها المخرجة منه ويعني